Sunday, August 15, 2010
قائمة تضم سبع طوابير إنتظار تقود إلى الإحتضار
Wednesday, August 11, 2010
رسالة
أما بعد السلام و التحية،
شيئان في الدُنيا هما أفضلُ
في كلّ ما تنوي وما تعملُ
لا تتّخذْ كلَّ الورى صاحباً
ولا تنـــل مِــن ما يُؤْكَــلُ
- عمر الخيام
0
شيء يشبه المقدمة
لم أكن يوما ماهرا في تدبيج المقدمات، و ليس من عادتي الإطناب في الكلام. و لكن نزلت النفس إلى ذلك لحاجة و غاية. أبدأ المقال باستعذارك يا صاحبي لتقصير مني في المراسلة و التواصل، غير أن الحالة، و ليس ذلك بغائب عن لبيب مثلك، تعلق الأيدي بأغلال الإنشغال، فيمنعنا ذلك من فعل ما نشتهي و من لقاء من نحب. و قد ألقت رسالتك في قلبي سرورا كبيرا و أنسا عظيما، هذا مضاف إلى لطيف إطرائك على ما كنت قد كتبت في الصيف المنصرم و عن احتفاظك بالرسالتين اليتيمتين اللتين أرسلتهما. و الآن استأذنك لكي أكتب عن بعض المسائل التي طرقت أبوابها في رسالتك الكريمة.
1
مسألة العمل
تكل الأبدان و تايس الأنفس من فرط العمل، حتى و إن ألفتها و استأنس بها في بادئ الأمر. و هذا ديدن الناس و منحاهم. من أجل ذلك ابتدعوا طرائق الترفيه و وسائل الترويح، فمنها ما بث في الروح البهجة، و منها ما انتزع من الجسد التعب. و لا جرم أن أتعس الناس من تقحم عملا ليست نفسه إليه مائلة، و لا بدنه إليه نازح. فكابد من الآلام و الكروب ما من وقعها تتفت الجبال.
و أقول بخصوص ما حل بعملك الذي صببت من أجل إنجازه جهدا كبيرا، إن الشروع بالعلم نصف نجازه. و بما أنك قد بدأت بالفعل، فلن يضيرك أن تبدأ من جديد، على الرغم من أنك فقدته كما يفقد الورّاد خلاصة الورد إذ انسكبت قنانيه على تراب الأرض. و ما أعجبني أن تلك الحادثة لم تمنعك من الإستمرار في العمل – تارة أخرى. و لا أخفي عليك تفاجئي بأنك مسافر في سبيل العلم. فلم أكن أعلم ذلك، و لم يكن عندي توقع بهذا الخصوص، ذلك علاوة على مصاحبة زوجتك لك، و لا شك أن وجودكما مع بعضكما له نفع عظيم. أتمنى لكما التوفيق و السعادة في ما تفعلانه الآن، و فيما ستفعلانه غدا. و ما الغد إلا طبق طهيناه اليوم. و كما قال دعلب الخزاعي، "فيا نفس طيبي و يا نفس ابشري، فغير بعيد كل ما هو آتي."
2
مسألة الحياة
مممـ،،، الحياة! ماذا أقول عن الحياة؟ ما هي العناصر التي تتكون منها حياتي الحالية؟ أشعر أنني بصدد تحليل كيميائي لمركب معقد. لأعد صياغة السؤال. "شقاعد أسوي بحياتي هالأيام؟"، يبدو أن هذه الصيغة ألطف. أنا هنا لأدرس – هذا هو المركز، و حوله تحوم بقية الأنشطة. أستيقظ كل يوم قبل شروق الشمس، بعد أداء الضرويات، أركب القطار قاصدا النادي الرياضي، الذي اقضي فيه قرابة الساعتين حارقا ما بقي في الجسم من دهون الأمس. من دون إستحمام، بسبب ضيق الوقت – و هذا مزعج غالبا، أتجه إلى " المدرسة" ( كل مكان يدرس الناس فيه اسميه مدرسة – من رياض الأطفال إلى أكبر الجامعات). أقضي صباحي هناك، ثم أقصد قاعة الطعام، لآكل ما بدأت بأكله منذ شهور ثمانية مضت. و بصراحة، بدأت لا أستطيع التمييز بين الطعام الشهي و الطعام غير الشهي، لأنني بحاجة إلى الأكل، و بما أن الطعام ليس موافقا لمعايير اللذة المطلوبة، فعلي إذن أن أخفض معاييري. و هذا التخفيض أدى في النهاية إلى تجذر " اللا-شهية" في نفسي. إنها حالة عملية هنا، و لكنني قلق بشأن عجزي عن الإحساس بما لذ و طاب من مأكولات الكويت. بعد الطعام أنطلق إلى صومعتي العامة. في متجر كتب كبير حيث يوجد مقهى. هناك أقضي فترة ما بعد الظهيرة حتى الغروب، متفرغا للقراءة، التأمل، و التدوين، و شرب كوب من القهوة كاحلة السواد - بالتأكيد. من هذا الموقع استطيع مراقبة الناس: سلوكهم، إيماءاتهم، تعبيراتهم الوجهية، مجاملاتهم، كذبهم. حان وقت العشاء، إن لم يكن لي مزاج للتغيير، أتجه إلى إحدى قاعات الطعام التي انتشرت في أرجاء الجامعة – آكل أكلي الذي لا أشعر بمذاقه، و لكنه بالتأكيد مفيد جدا: غني بالخضروات و الفواكه و الحبوب و البروتين النباتي إضافة إلى الأسماك.
وما إن يصب الليل ظلامه في أرجاء المدينة، حتى ألوذ بالفرار و التواري من وراء ستار. فمن الناس من يأوي إلى يبته، و منهم إلى حانة حوت البائسين و اليائسين، و منهم إلى غرفته التي تعطل فيها نظام التدفئة. أنا آوي إلى غرفتي، متوحدا بأفكاري، مستغرقا في الدراسة. حتى إذا ما رفت على جفنين أجنحة الكرى تلفعت برداء دافئ، و تغطيت بلحاف ثقيل. إنه النوم يا صاحبي. فكما قال شكسبير، " إن النوم هو أفضل طبق وضع على مائدة الحياة."
3
مسألة الجو
" خير الأمور أواسطها"، كذلك اعتقد الأولون و لحقهم في ذلك بعض الآخرين. و إني الآن، و هذه هي الحال منذ بضعة شهور، أكتب و البرد يغاضنني مغاضنة عاشق مهووس. لقد مضى الشتاء إلا أقله، مخلفا في الذهن ذكرى و في الجلد تشققا. و على الرغم من أن الكويت تسير في الطريق إلى صيف هو في الواقع من نسائم الجحيم، فإن بوستن تمشي الهوينى بتخاتل نحو صيف هو عمليا ربيع فردوسي مزهر، يبتهج فيه الناس ابتهاج أم جاءها الولد في آخر العمر. و أنا الذي حملت على عاتقي عبأ الجليد و أوزار المطر، أجد نفسي مأزوما بين رجحان كفة الجحيم من ناحية و الزمهرير من ناحية أخرى. غير أن التغاضي عن سوء الطقس يحدوني إلى تمثل ما تجلى من الحسنات في المكان الذي أقطنه. و كل ما بين يدي الآن هو أن ألبس الثقيل من الثياب، و آكل الدسم من الطعام.
4
شيء يشبه الخاتمة
و السلام عليكما سلاما كثيرا.
كان ذلك كلاما كتبته
و أنا مبتسم
